قابلني وملامحه تفيض بالسخط
والغضب، وما أن جلس بجانبي حتى سألته : ماذا بك؟
أجاب وكأنه كان ينتظر مني أن أعطيه الفرصة لينفجر، فإنطلق كالسيل الجارف
يقول لي : هل تعلم أن أسرة (مارمينا) سوف تقيم احتفالاً بمناسبة مرور خمسون عاماً
على إنشاءها؟
أجبت أنا : نعم أعلم.
هو : وهل رأيت الدعوة التي تمت طباعتها ونشرها على الـ(Facebook)؟
أنا : نعم رأيتها، ماذا بها؟
هو : تخيل أنهم كتبوا عليها "خمسون عاماً في المسيح"!!
أنا : وماذا في هذا؟
نظر لي غير مصدق، وكأنه ينظر إلى
شخص معتوه أو طفل صغير لا يفهم، وقال : هل تمزح معي؟ أي نوع من الكبرياء هذا أن
يتباهى شخصٌ ما بأنه قد أمضى خمسون عاماً (في المسيح)؟ هل ترى؟ ... (في المسيح)،
وكأنهم قد أيقنوا أنهم (في المسيح)، أي شهادة ذاتية مريضة هذه؟
أنا : أعذرني، ولكني مازلت لا أرى أي تعالي أو كبرياء في أن تعلن جماعةٌ ما
أنها متأكدة من تواجدها (في المسيح) لمدة من الزمن، طالت أم قصرت ... ثم قل لي،
ألا توقن أنت أنك (في المسيح)؟
بادرني وكأنه قد أعد نفسه لهذا
السؤال يالتحديد : أبداً، فمادمت هنا على هذه الأرض، وأحيا هذه الحياة الزمنية لا
يمكنني أن أقول بملئ فمي أنني (في المسيح)، نعم استطيع أن أقول أنني (أسعى في سبيل
أن أكون في المسيح)، لكن ما الذي يمكن أن يؤكد لي بنسبة 100% أنني (في المسيح)،
وكأنني قد أكملت السعي واحتكرت الحق ولا يوجد ما يضاف بعد ذلك.
قلت وقد بدأ يثير أهتمامي : هل من الممكن أن توضح لي ما تقصده بالضبط؟
قال : ما أقوله هو أنني في هذه الحياة وبدايةً من اللحظة التي قررت أن اتبع
فيها المسيح وأنا اجاهد لعلي أصل، كما جاهد من قبلي كل من سلك هذا الطريق، اقترب
أحياناً، وأحيد عن الطريق بضع مرات، وبنعمة ومعونة الروح القدس أظل أسعى في طريق
الأبدية، لكن لا يمكنني أن أتبجح وأعلن لمن حولي أنني (في المسيح) بمعنى أن هذا
أمر قد تم، وحدث قد أكمل بالفعل.
أنا : ولكن ألا تؤمن أنك (في المسيح)؟
هو : نعم، بالتأكيد أؤمن بذلك، ولكن ما هو الإيمان هنا؟ أليس هو الثقة بما
يرجى والإيقان بأمور لا ترى، أي تصديق أنني سوف أكون (في المسيح) عندما أصل للسماء
– وهذا ما أترجاه – فقط لأن الرب قد وعد بذلك في كلمته المقدسة، لذا فأنا (في
المسيح وسوف أكون في المسيح).
أنا : ؟؟؟
هو : سوف أشرح ذلك لك من وجهة نظر آخرى، هل تذكر موضوع (التبرير والتقديس
والتمجيد)؟
أنا : نعم ... نعم، أظن أننا قد قتلناه بحثاً أثناء سنوات الدراسة بفصول
(إعداد الخدام).
هو : حسناً، إذاً فأنت تعرف – بإختصار – أن التبرير هو قبول عمل المسيح
الكفاري على الصليب، والتقديس هو مسيرة الشخص المؤمن في هذه الحياة بعد قبوله لعمل
المسيح الكفاري لأجله بصفة شخصية، أما التمجيد فهو حال المؤمن متى أنتقل من هذه
الحياة الأرضية المؤقتة.
أنا (بنفاذ صبر) : وما دخل هذه المحاضرة اللاهوتية بإحتفال (أسرة مارمينا)؟
هو : ألا تفهم ما أقصده حقا! أن هذه الرسالة – (خمسون عاماً في المسيح) –
تعطي الإنطباع بأن الأسرة قد أتممت عملها على هذه الأرض وهي تحتفل – وتتفاخر – بأنها
قد أمضت خمسين عاماً من (الإنجازات الروحية) في مجال عملها ... الحقيقة أنني سوف
أقبل هذا الإعلان – (خمسون عاماً في المسيح) – فقط إذا كان هذا الإحتفال بمناسبة
انتهاء خدمة الأسرة تمهيداً لغلقها، هذه الحالة هي الحالة الوحيدة في رأيي التي
يمكن أن نصف فيها (أسرة مارمينا) بأنها قد أنهت (خمسين عاماً في المسيح).
أنا : لا أظن أن منظمي الإحتفال قد جال بخاطرهم ما قد استنتجته أنت.
قاطعني قائلاً : ثم ألا ترى أنه من الغريب أن (أسرة مارمينا) هي التي تقيم
احتفالاً لنفسها؟ لماذا لم تُقِم أسقفية الشباب – مثلاُ – هذا الإحتفال الكبير لكي
تشكر الأسرة على مجهوداتها في خدمة الشباب الجامعي المسيحي خلال هذه المدة؟
أنا : وما الفارق في هذه الحالة؟
هو : ببساطة هو نفس الفارق بين أن يجتمع العاملون في إحدى الشركات لعمل
حفلة لتكريم أحد زملائهم من موظفي الشركة بعد تفانيه في خدمتها لمدة طويلة من
الزمن، وبين أن يجمع مدير نفس الشركة مرؤسيه في إحتفال ضخم يعده بنفسه، ويطلق عليه
أسم مثل (خمسون عاماً من العطاء) أو (سبعون عاماً من القيادة الحكيمة) أو أي شيء
من هذا القبيل ... الفارق بينهم كبير بالطبع، فالأول هو شخص يتم تكريمه رغم أنه لا
يسعى لذلك مطلقاً، وهنا يكون الإحتفال في محله، حيث أنه نابع من عرفان كل من حول
هذا الشخص بعظيم مجهوداته، والثاني هو مجرد شخص يتفاخر بأداء عمله – الذي هو
مسئوليته من البداية ولا يجب أن يشكره أحد لمجرد أداءه لمهام وظيفته – وأكثر من
ذلك أنه هو من يشهد لنفسه، لذا فشهادته باطلة وليست ذات مصداقية.
هنا نظرت إليه مطولاً، وقررت أن
أضع الأمور في نصابها، حتى ولو أدى ذلك إلى أن أكون صريحاً معه بدرجة قد تزعجه،
فأخذت نفساً طويلاً وقلت : سامحني، ولكني أرى أنك متحامل على الأسرة بشكل كبير،
وتهاجمها بلا داعي، بل أنني أعتقد أنك تسعى لإفساد الجو الإحتفالي بإفتعال مشكلة
من لا شيء.
سكت قليلاً وقد باغته هجومي
المفاجيء عليه، ولكنه سرعان ما استعاد البريق في عينيه وقال لي : حسناً، إن كنت
تظن ذلك فأنا أؤكد لك أنني لا أريد مهاجمة الأسرة بأي شكل من الأشكال، بل أنني من
أكبر مؤيديها، وأدين لها بفضلٍ كبير في حياتي.
نظرت إليه متشككاً، فاستطرد
قائلاً : ولكي تصدقني فأنا سوف أحملك رسالة (شكر وتقدير وعرفان بالجميل) لكي
توصلها إلى خدام (أسرة مارمينا) ومخدوميها.
سألته غير فاهم لما يرمي إليه : ماذا تقصد؟
قال لي : أبداً، سوف أحكي لك أختباري مع (أسرة مارمينا) لكي أبرهن لك على
مدى تقديري لهذه الأسرة، وأعتزازي بأنني يوماً ما كنت أحد أفرادها.
ثم أعتدل في جلسته، ما أعلن لي أنه
بصدد الحديث مطولاً، فأصغيت بكل أنتباه لكي ما استطيع أن أنقل ما سوف يقوله إلى
(أسرة مارمينا) بكل أمانة، واستكمل قائلاً :
" في البداية، أود أن أتقدم
بالشكر الجزيل لكل أفراد (أسرة مارمينا)، وخصوصاً لكل خادم بها، وكل من كان خادماً
بها – وهم أكثرية على ما أظن – ، وكل من سيقدر له أن يكون خادماً بهذه الأسرة،
وهذا الشكر الخاص بالخدام منبعه أنهم أكثر من يؤثرون في الأشخاص الذين يحضرون
اجتماعات الأسرة.
فمنذ اللحظة الأولى التي بدأت
فيها علاقتي بـ(أسرة مارمينا) منذ ما يقرب من سبعة عشر عاماً وأنا دائم الملاحظة للخدام
ومتأثر بهم، فهم بالطبع (المسيح المنظور) داخل كيان الأسرة، وبديهي أنهم دائماً ما
يدعون الشباب لحضور الإجتماعات لكي ما يقابوا شخص المسيح فيها، وهم مدركون تماماً
أن هؤلاء الشباب لن يلتقوا بشخص المسيح داخل الإجتماعات إلا من خلالهم، أي من خلال
خدام الأسرة، وأشكر الله أن من بينهم من يعلم هذا ويدرك مسئوليته في أن يكون
(مسيحاً منظوراً) لكل الحضور من الشباب.
وقد كان هؤلاء الخدام عند حسن
ظني بهم، فبمجرد حضوري للإجتماعات، كنت استشعر فيهم روحاً مختلفاً، ومحبة غير
مصطنعة، وأحتواءاً لكل من حولهم بغض النظر عن الإختلافات، فكرية كانت أم روحية أم
حتى اجتماعية، وهو ما جعلني أصدق أن منبع اختلافهم عمن حولهم هو علاقتهم القوية
بالمسيح، وهو ما جعلني أثق بأن هذا الطريق حقيقي، فأنا أرى أمامي ثمرة الحياة (في
المسيح) متجسدة في حياة هؤلاء الخدام.
ومع الوقت، زاد حماسي للإنخراط
بعمق أكثر داخل نشاطات الأسرة، فقررت أن أحضر إجتماعات (إعداد الخدام)، فأنا قد
صرت مشتاقاً لأن أحيا حياتهم، وأتمتع بشركتهم الدائمة مع المسيح كما بدا لي، وهنا
لابد أن أتوجه بالشكر لأصحاب فكرة هذه الإجتماعات، فهي مكان جيد ليس فقط للتتلمذ
في الحياة المسيحية، بل هي أيضاً مكان يضع الشخص في منزلة قريبة من الخدام، ويزيد
من فرص احتكاكه بهم في المواقف المختلفة.
وهنا بدأت أرى كيف يتصرف خدام
الأسرة في مواقف خارجة عن نطاق الخدمة في الإجتماعات، فأصبحنا نتقابل للخروج معاً،
وزادت معرفتي بهم، وبعائلاتهم، وبظروف معيشتهم، وهذا جعل منهم أمامي أشخاص ذوي
أبعاد مختلفة، بمعنى أنهم كانوا قبل ذلك ذوي بعد واحد كما في أفلام السينما، فأنت
لا تعرف عن البطل وخلفيته إلا ما يعرض على الشاشة أمامك، لذا فهو شخصية ذات بعد
واحد لا تستطيع أن تكون عنها فكرة كاملة، وهذا ما أقصده بأنهم أصبحوا شخصيات ذات
أبعاد مختلفة، أي أنني صار بمقدوري أن أكون فكرة شبه كاملة عن كل واحد منهم، فهناك
من هو عصبي، وهناك من هو مرائي، وهناك من هو كسول، أو غشاش، وما إلى ذلك من صفات
بشرية متباينة جيدة كانت أم سيئة.
في البداية، استنكرت أن يكون
الخدام الذين كنت قد وضعتهم في منزلة (إلهية) يمكن أن يكونوا بهذا الشكل (البشري)
خارج دائرة الإجتماعات، ثم ما لبثت أن وجدت أنهم لا يرون أي تعارض بين أن (يقوموا)
بدور الخدام داخل الإجتماعات، وأن يحيوا حياتهم (بشرياً) بدون اختلاف عمن حولهم في
محيط أعمالهم مثلاً، فهذا الخادم – مثلاً – يكون داخل الإجتماع ملاكاً حنوناً على
مخدوميه، وفي مقر عمله مديراً قاسياً على مرؤوسيه، وهذا الخادم يعلم المخدومين
الإنضباط والأمانة في الصلاة والخلوة داخل الإجتماع، وفي عمله هو غشاش ومخادع
كبير، أما ما هالني بالأكثر هو التضارب في السلوك ليس فقط بين الإجتماعات والعمل،
ولكن أيضاً بين الإجتماعات والبيت، فهذا الخادم الذي يدعونا دائماً أن نتشارك معاً
وأن نكون كالأخوة، ليس على علاقة جيدة بعائلته، وهو لا يعتني بأسرته الصغيرة بل
يترك كل المسئولية ملقاة على عاتق زوجته التي يتعامل معها على أنها السكرتيرة
الخاصة به، وذلك من منطلق تفرغه للخدمة بعد عودته كل يوم من عمله، فأراه يقضي من
الوقت مع المخدومين والمخدومات أضعاف ما يقضيه مع زوجته وأولاده، وهذه الأمثلة على
سبيل العرض لا الحصر.
المشكلة التي تكونت بداخلي في
هذه الفترة لم تكن فقط الصدمة التي تعرضت لها حينما أقتربت من حياة خدام الأسرة
بهذا الشكل، ولكن – وهذا هو الأخطر – أنني لم أجد من يبكت هذا السلوك المزدوج
والمخادع من جانب بعض الخدام، فقادة الأسرة – كما رأيتهم – مؤمنون بأن الخادم المنتظم في خدمته هو
بالتأكيد لا غبار عليه، والمشكلة تكمن فقط فيمن يتغيب عن الحضور أو الإلتزام
بمهامه في الخدمة، وهنا بدأ ينمو بداخلي احساس بأنه لا توجد مشكلة في هذا السلوك
الملتوي، وأنه من الطبيعي أن يتعامل الخادم في كل موقف ومكان بحسب ما يقتضيه
الموقف، بمعنى أنه في الإجتماع من واجبي أن (أتروحن) ليس من أجل مظهري فقط، بل من
أجل المخدومين أيضاً الذين (يجب) أن يروا فيّ (المسيح المنظور) الذي يترجون حضوره بينهم،
وفي عملي يجب علىّ أن أطمح فيما يطمح فيه زملائي وأن أفعل ما يفعلونه، مادام هذا
لن يؤثر على (خدمتي)، فأنا يمكن أن أخدع وأغش وأشارك في جلسات النميمة، مادم هذا
بعيداً عن أعين من أخدمهم أو التقي بهم في الإجتماعات، وفي بيتي لا يهم إن كنت لا
أقضى أوقاتاً مع عائلتي مادمت أقضيها في الصلاة أو التحضير للخدمة، ولا يهم أن
أحرص على الترابط العائلي داخل بيتي مادمت أحرص على ربط المخدومين بالخدمة، والسعي
لتثبيتهم بداخل الإجتماعات وحل مشاكلهم التي لا تنتهي.
اقف هنا قليلاً لكي أشكر هؤلاء
الخدام والقادة، نعم أشكرهم، فقد دفعني ما تعلمته منهم إلى حياة مرائية وخادعة
لنفسي قبل أن تكون للآخرين، وأيضاً كانت لهذه الحياة مظهر مهم آخر وهو أنها تميزت
بالبر الذاتي الشديد، فأنا كنت أرى نفسي أنمو وأزداد في الخدمة وهو ما كان أكثر
أهمية من أي شيء آخر في حياتي في هذه الفترة، ولولا هؤلاء لما كنت وصلت إلى هذه
المرحلة من حياتي التي كان لها تأثير كبير علىّ فيما بعد، لذا وجب علىّ أن أقف
وأشكرهم.
وكما هو متوقع، فقد تقدمت في
مجال الخدمة من موقع لآخر، ومن مجد إلى مجد كما يقولون، فتارة تراني أقود مجموعة
(دراسة كتاب)، وتارة آخرى (قائد لمؤتمر بالخدمة)، حتى جاءت اللحظة التي تم أختياري
فيها لأنتمي لعضوية (نادي الصفوة) أو كما كان يسمى في أوساط الأسرة بـ(إجتماع
الأمناء)، وطبعاً جاء تقييم (الأمناء – هذه وظيفة وليست صفة) لي وترشيحهم بناءاً
على كل ما هو ظاهري ولا يمت لروح الخدمة بصلة، فقد رأوا فيّ الخادم المنتظم
والمتحمس، الذي لا يخالفهم في الرأي بل يدافع عن كل قراراتهم وينفذها بكل همة، فما
كان منهم إلا أن بعثوا لي بـ(أمين الخدمة) لكي يشاركني بما قد توصلوا إليه من خلال
(الصلاة)، فقد قال لي يومها بالحرف الواحد " نحن صلينا كثيراً وفي كل مرة كنا
نجد أن أسمك هو أول ما يخطر ببالنا لهذه المهمة – أي قيادة أحد الإجتماعات"،
ولكم أن تتخيلوا كيف كان رد فعلي في مقابل هذه (النبوة) الآتية من (الأمناء)،
بالطبع قبلت المسئولية بلا تردد، وأنا واثق أنني مدعم من قبل الله الذي توسم فيّ
صفات القائد الروحي الأمين فأعلنها لعبيده (الأمناء) من خلال أجتماعات الصلاة.
وهنا
أيضاً أقف لكي أشكر (أجتماع الأمناء) بصفة خاصة، فقد سمح لي الله من خلالهم أن
أدخل لعمق جديد في مشواري معه، وهو أن لا تقف مسيرة حياتي الروحية على مجرد الخداع
والتزييف، والبر الذاتي الذي أصبح متأصلاً فيّ بشدة، بل أيضاً أن تأتي لي شهادة
خارجية ممن كنت أعتبرهم في ذلك الوقت (أعمدة روحية)، هذه الشهادة بالـ(تفوق
الروحي) كانت بمثابة إعلان لي بأنني قد وصلت إلى المنتهى، فما عاد علىّ أن أجاهد
مثل الآخرين وأنا الآن من (الصفوة – الأمناء)، فأنا قد (نجحت بإمتياز) بشهادة الله
و(الأمناء) وبذلك تركت الجهاد والصراع الروحي لمن هم دون مستواي من الخدام
والمخدومين، وعلىّ أن ألتفت الآن إلى (القيادة الروحية).
وبالطبع لم تدم هذه الخيالات
والتهيؤات الروحية لفترة طويلة، بل وجدت أن (الأمناء) لا يختلفون كثيراً في نمط
حياتهم عن باقي الخدام الذين ذكرتهم قبلاً، وهو ما يفسر عدم محاولات (الأمناء)
لتقويم الخدام لأن (الحال من بعضه)، وبذلك عشت كما يعيشون، أظهر التقوى والورع
وأقود الصلاة بحرارة، وفي الداخل نفس الفساد بل أكثر، وطبعاً مادمت ملتزماً
بالحضور و(القيادة) فلا مشكلة تذكر مع (الأمناء) وخصوصاً إذا كنت موافقاً لما يحدث
بداخل (المطبخ السياسي) للأسرة، فاليوم نتكلم على أحد الخدام وبالطبع بكثير من
التفاصيل الدقيقة بحكم أن (الأمناء لا يخفى عليهم شيء)، ونخلص إلى أنه يجب
استبعاده من الخدمة ربما بسبب شيء قد يكون أسر به لأحد (الأمناء)، وغداً نقييم
الخدام ونلقي بكل واحد منهم ليخدم في اجتماع ما بناءاً على التفضيل الشخصي
(الأمناء)، فمثلاً هناك بعض (الأمناء) الذين يفضلون الخدمة مع (فلان) ولا يطيقون
(علان) وهكذا، حتى أنه في أحد المرات تم التقييم والتوزيع بناءاً على ما نقلته
زوجة خادم معين لأحد (الأمناء)، وكثيراً ما شاركت في هذه التصرفات التي (ذكرها
قبيح) من منطلق النظرة العلوية والمتعالية، فأنا الآن مخول لأن أقييم وأحكم على
أخوتي من الخدام سواء كانوا أصغر مني سناً أم أكبر، فالمعيار الوحيد هنا أنني
(أمين) وهم مجرد خدام، واعترف هنا أنني شاركت في كثير من المضايقات لزملائي من
الخدام بدعوى عدم انتظامهم أو إلتزامهم بغض النظر عن حالتهم الروحية التي لم تعد
تعنيني أو تعني أي شخص آخر.
وبالرغم من كل هذه الصراعات، عشت
أجمل أيام حياتي راضياً عن نفسي روحياً، فأنا أنتمي للصفوة الروحية ولا أعاني من
صراع بين حياتي الداخلية والعملية بعد أن فصلت بينهما تماماً بمبدأ (أعط ما لقيصر
لقيصر وما لله لله)، أو بمعنى آخر، أصبحت أشغل (وظيفة) قائد أحد الإجتماعات
بـ(أسرة مارمينا)، أمارس مهام وظيفتي بكل همة ونشاط، وعندما أخرج من الإجتماع أفعل
ما يحلو لي بدون أي تبكيت، سواء كان داخلياً من الروح القدس الذي من المفترض أنه
يحيا فيّ، أو خارجياً من جماعة الخدام الذين يفترض بهم أن يكونوا شركائي في جسد
المسيح، ولكن لرحمة الله بي، لم تدم هذه الفترة كثيراً، فكما تأمرت مراراً مع
(الأمناء) على بعض أخواتي من الخدام، أنقلبت اللعبة في يومٍ ٍ ما، وبدون تفاصيل
كثيرة وجدت نفسي – خلال شهور قليلة – ليس فقط خارج دائرة (الأمناء) ولكن أيضاً
خارج دائرة الخدمة كلها.
وهذه بالضبط كانت نقطة التحول في
حياتي كلها، فبخروجي من دائرة الخدمة افتقدت تماماً الأمان الروحي الزائف، فداخل
تلك الدائرة الخادعة كنت مطمئن لحالتي الروحية، ولم يكن لدي أي شك في أنني قد نجحت
في (فهم) الحياة المسيحية تماماً، وكنت قد وصلت لإستنتاج أنه ليس هناك ما يقال أو
يُعمل أكثر من ذلك على المستوى الروحي، وهذا مفهوم بالطبع إذا أخذنا في الإعتبار
أن كل من حولي تقريباً كانوا في نفس المستوى الروحي، ففي تلك (المياه الراكدة) كنا
جميعاً قد صرنا راضيين بحالتنا الروحية، وغير راغبين في تغييرها، بمعنى آخر كنا قد
تحولنا من مجموعة (حيوانات برية) تحيا في الأدغال الروحية الخطرة، دائماً متيقظة
ومتأهبة للقتال الروحي، ذات عضلات روحية قوية تساعدها على النجاة من كل ما يعترضها
من مخاطر، وتسطيع أن تؤمن لنفسها الطعام الروحي اليومي الذي هو صعب المنال في هذه
البيئة المتقلبة، وأصبحنا مجموعة (حيوانات أليفة) اعتادت حياة البيوت السهلة
الروتينية، فالطعام (الروحي) معد مسبقاً، وسهل البلع، ولا يحتاج لمجهود في هضمه،
والبيئة المحيطة صناعية، وخالية من المفاجأت والعقبات، لذا فقد ترهلت عضلاتنا
الروحية، وضعفت قدراتنا على التفكير بمنطق وحكمة الله، وصارت توقعاتنا للحياة
الروحية منخفضة للغاية، وكلما ازداد ضعفنا كنا نزداد تشبثاً بما نحن فيه، رافضين
أية محاولات من جانب الله لدفعنا خارج هذه الدائرة السقيمة.
ومع هذا التحول الدرامي المفاجئ
بخروجي من دائرة الخدمة إلى منطقة جديدة كلياً علىّ، وجدت نفسي وحيداً تماماً، لا
أعلم ماذا يجب علىّ أن أفعل، وكيف أتحرك روحياً بعد أن كان سعييّ الروحي كله
مدفوعاً بالحفاظ على مكانتي كخادم بالأسرة، وليس من منطلق اشتياق روحي حقيقي
للحياة (في المسيح)، وطبعاً تطلب الأمر بعض الوقت لكي أتوقف عن لعب دور الضحية
التي تمت خيانتها والإنقلاب عليها من جانب من تفانيت في خدمتهم سابقاً، كما تطلب
الأمر مزيداً من الوقت والألم لكي ما أقتنع أنني كنت (أعيش الوهم الروحي) بداخل
الأسرة، وأنني وأنا أقف بمفردي بعيداً عن (صخب الخدمة) لست أكثر من مجرد (خاطئ)
يقف عرياناً ومرتاعاً أمام عرش القدير، وبعيداً بما لا يقاس عن معايير القداسة
والبر والحق الإلهي، بإختصار، أرتطمت بالقاع، ووصلت إلى نقطة اليأس الكامل من نفسي
في الوفاء بما يتطلبه الأمر لكي أحيا حياة مقدسة، وأيقنت أنني لولا نعمة الله ورحمته
فأنا هالك بكل تأكيد.
ومجدداً أتوقف لكي أشكر أمناء
وخدام (أسرة مارمينا) على هذه الفترة من حياتي أيضاً، لأنه بفضل الطريقة التي
تعاملوا بها معي وقتها، اُتيحت لي الفرصة للتواجد دائماً بمفردي مما كان له أثر
مثمر على اقتراب الله مني، وتمكنه من التعامل معي فردياً، فعلى غير المتوقع
بالنسبة لي، جاءت ردود افعال الأكثرية تجاه تركي للخدمة فاترة، فلم يحاول أحد أن
يقنعني بالعودة مرة آخرى بشكل جدي للخدمة، لكن كانت كل المحاولات معي تأتي من
منطلق الحرج عند رؤيتي مصادفةً في أي مكان حيث تتم دعوتي للعودة إلى داخل (الجسد)
بشكل سطحي، مع وعود زائفة بأننا سوف نجلس ونتناقش ونصل لحلول مرضية للجميع، وكأن
الموضوع كله لا يعدو أن يكون مجرد خلاف إداري فيما بيننا، مما كان يثبت لي يوماً
بعد يوم أن قرار خروجي من الأسرة كان صائباً إلى حدٍ كبير، حتى وإن كنت لم أمتلك
الشجاعة الكافية لأتخذه بمفردي، فمن خارج الأسرة استطعت أن أرى كثيراً مما كنت
أتعامى عنه وأنا بداخلها، واستطعت أيضاً أن ألتمس العذر لأخوتي بداخلها في الكثير
مما يفعلونه، فالحقيقة أن ضغط الإنصياع للتحرك مع (القطيع) لهو من أشد الضغوط
وأكثرها قسوة، كما أن الإنهماك المستمر في (عجلة الخدمة) يمكن أن يجعل الخادم يحيد
عن الهدف الحقيقي دون أن يدري.
أعود مرة آخرى إلى النقطة التي
كنت قد يأست تماماً من نفسي فيها، وأرتميت بالكلية على رحمة الله لي إن هو سمح
بذلك، إنطلاقاً من هذه النقطة وإعتماداً على معونة الروح القدس بدأت حياتي تعود
إلى المسار الروحي الحقيقي، وبدأت أكتشف أن الله يبحث عمن يبحثون عنه ويجدهم،
وعرفت أن طرق الله لإفتقاد الإنسان ليست محددة بمسار معين كما تعلمت سابقاً، كما
أدركت أن معايير الله واختياراته هي أبعد وأعلى بما لا يقاس عن معاييرنا المنطقية
المحدودة، وقد أكسبني الله الجرأة أن أخطو في طرق جديدة بالإعتماد عليه وحده، كما
علمني الله أن لي دوراً في العلاقة معه لن يقوم به أحد بالنيابة عني، وأن له دوراً
في حياتي لا يجب أن أحاول أنا أن أؤديه نيابةً عنه، وعرفت أن مسئوليتي هي أن أبحث
وأدرس الكلمة بكل ما لدي من قوة، غير متكلٍ على ما يقدم لي في الإجتماعات أو
المؤتمرات، وأن أتساءل حول كل ما يعرض علىّ من تعاليم غير مسلم ٍ بما فيها
إعتماداً على مكانة قائلها، كما أنني تعلمت أن ما أفشل في ممارسته داخل مخدعي لا
يمكن أن أتوهم أنني سوف أمارسه وسط جماعة المؤمنين، فالمعركة الروحية تحسم في
المخدع وليس في مؤتمر أو نهضة أو ما شابه.
لقد تعلمت الكثير، وسوف أتعلم
أكثر بنعمة الله ومشيئته، ولا أقول أنني قد أدركت الحق كله ولكنني استطيع أن أؤكد
أنني في الطريق، بل أنني استطيع أن أعلن أنني إن أكتشفت يوماً ما أنني لست على
صواب فلدي اليوم من الشجاعة ما يمكنني من أن أعترف بخطئي وأغير طريقي بلا مكابرة
أو عناد، وهو ما لم أكن قادراً عليه من قبل أثناء تواجدي بداخل (أسرة مارمينا).
أخيراً، فأنا مؤمن بأهمية (أسرة
مارمينا) في حياتي، وأعتقد أن الله قد استخدمها أفضل استخدام لتتميم إرادته
لحياتي، لذا أجد نفسي مديوناً لها بتقديم هذه الشهادة التي يعلم الله وحده أنني قد
سردتها بكل صدق، وأنا إذ أجدد شكري وأمتناني وعرفاني بالجميل لكل شخص قابلته
بداخلها، لأنه قد أثر في حياتي بشكل كبير، أؤكد أنني لا أقصد تماماً إهانة أو فضح
أحد، لكن إن كانت (أسرة مارمينا) قد أثرت إيجابياً في حياتي، فأنا مدين لها بأن
أشير لما أعتقد أنه يمكن أن يساعدها على أن تساعد هي بدورها آخرين بشكل أفضل مما
حدث معي."
إلى هنا أنتهت كلمات صديقي لي،
ها أنا أنقلها كما هي، بدون أي تعليق من جانبي طالباً من الله أن ألا تكون حجر
عثرة لأحد، بل أن تعتبر كهدية شكر صادقة لـ(أسرة مارمينا) وهي تحتفل بأن لها
(خمسون عاماً في المسيح).
القاهرة – أغسطس 2013